في فترة حسّاسة من الثورة، اُستُشهِدتْ مقاومات كثيرات خلال قيامهنّ بأعمال بطوليّة خلّدتها الذاكرة الجماعيّة الجزائريّة والعالميّة، وهذه نبذة عن شهيدات ارتقيْن في أرض المعركة.

حسيبة بن بوعلي

حسيبة بن بوعلي
حسيبة بن بوعلي

وُلِدت حسيبة بن بوعلي في 18 جوان 1938 بالشلف أين قضّت طفولتها. وفي التاسعة من عمرها، قرّر والدها الاستقرار بالجزائر العاصمة فانتقلت معه وواصلت دراستها الثانويّة هناك.

وفي السابعة عشر من عمرها، التحقت حسيبة بصفوف الفدائيّين، وكانت مهمّتها زرع القنابل في النقاط الّتي يتمركز فيها العدوّ. وقد كانت في خليّة تجمع كلّ من الشهداء الأبطال: علي لابوانت ومحمّد بو حميدي وعمر الصغير؛ وهي إحدى أكثر الخلايا الفدائيّة نشاطًا في تلك الفترة؛ وهو ما دفع بالمستعمِر الفرنسي إلى تكثيف جهوده من أجل القبض على أعضائها. وعلى إثر وشاية من أحد “الحركيّين”، حدّدت فرقة الجنرال ماسو في 08 أكتوبر 1957، مكان اختبائهم وهو بيت بحيّ القصبة العتيق، وحاصروهم مطالبينَ إيّاهم بتسليم أنفسهم. لكنّ حسيبة ورفاقها رفضوا ذلك كي لا يمنحوا فرصة لقوّات الاحتلال كيْ تحظى بمعلومات تؤذي سير العمليّات الفدائيّة وتكشف الخلايا الفدائيّة الأخرى، وآثروا الاستشهاد على ذلك، وهو ما تمّ فعلًا حين فجّر الفرنسيّون المنزل بمن فيه بعد يأسهم من محاولة اقتحامه وتصميم الفدائيّين على عدم تسليم أنفسهم.

وهكذا اُستُشهِدت حسيبة وهي لم تبلغ العشرين من عمرها بعدُ، وقد خلّدها التاريخ مع رفاقها الأبطال، وخلّدتها السينما بفيلم رائع بعنوان “معركة الجزائر” الّذي حاز على جوائز عالميّة كثيرة، منها الأسد الذهبي في مهرجان البندقيّة الدولي، الأمر الّذي سبّب خلافًا سياسيًّا بين فرنسا وإيطاليا الّتي كرّمت فيلمًا فضح بشاعة الاستعمار الفرنسي.

 زيزة مسيكة

 زيزة مسيكة
 زيزة مسيكة

هي لبؤة جبال الأوراس، وُلِدت في 28 جانفي 1934 بقرية مروانة قرب مدينة باتنة الجزائريّة أين أتمّت دراستها حتّى المرحلة الثانويّة، ونالت شهادة البكالوريا في عام 1953، لتهاجر إلى فرنسا رفقة أخيها، وتكمل دراستها في جامعة مونبلييه. في عام 1955، عادت زيزة مسيكة إلى الجزائر، وانضمّت إلى جيش المقاومين كممرّضة برتبة عريف في دوّار أولاد جمعة في المنطقة الثالثة تحت قيادة عمّار بعزيز، كما عملت وتعاملت مع مجاهدين وقيادات أخرى معروفة في المنطقة على غرار عزّوز حمروش وعبد القادر بوشريط اللّذان كانا مسؤوليْن على المنطقة الأولى والثانية.

فضيلة ومريم سعدان

فضيلة ومريم سعدان
فضيلة ومريم سعدان

هما شهيدتان شقيقتان، بفضلهما ظلّ لقب “سعدان” خالدًا في ذاكرة الجزائريّين. وُلدت الشقيقة الكبرى مريم سعدان في عام 1932 بمروانة في ولاية باتنة الجزائريّة، ثمّ انتقلت مع عائلتها للعيش في مدينة قصر البخاري التابعة لولاية المدية حيث عمل والدها مدرّسًا. وفي هذه المدينة وُلدت أختها فضيلة في عام 1938، أختها الّتي خاضت معها رحلة الحياة والنضال والشهادة. في عام 1940، تُوُفِّي الأب، فانتقلت الطفلتان رفقة أسرتهما إلى مدينة الحروش التابعة لولاية سكيكدة. وهناك دخلتَا المدرسة حيث أكملتَا تعليمهما الابتدائي، ولئن أكملت الشقيقة الكبرى مريم تعليمها العالي في قسنطينة وتحصّلت على دبلوم الدولة في علم التمريض عام 1951، ثمّ عملت ممرّضة في مستشفى قسنطينة، فإنّ الأخت الصغرى فضيلة خيّرت أنْ تتمّ دراستها في فرنسا بعد خروجها من سجن الاحتلال الفرنسي في عام 1957. وفي هذه الأثناء، انخرطت مريم سعدان في العمل النقابي حتّى أُلقِي عليها القبض من الفرنسيّين في عام 1958، فتعرّضت للاستنطاق تحت التعذيب، ورغم بشاعة الممارسات الّتي يتّبعها الضبّاط الفرنسيّين في التعذيب، فقد صمدت مريم ولمْ تعترف بأيِّ شيء، فتمّ إطلاق سراحها بعد شهر. وحين علمت الأخت الصغرى فضيلة بالأمر، عادت إلى الجزائر والتحقت بخليّة من فدائيِّي جيش التحرير الجزائري، فيما عادت الأخت الكبرى إلى العمل بالمستشفى لتعالج الثوّار سرًّا وتهرّب الأدوية لهم. وفي 20 ماي 1958، أُلقِيَ عليها القبض مرّة أخرى رفقة مناضلين آخرين يعملون في مستشفى قسنطينة، وتعرّضت لأبشع أنواع التعذيب.

ولكن هذه المرّة لم يتمّ إطلاق سراحها بما أنّ شكوك ضبّاط الاحتلال الفرنسي أصبحت مؤكّدة حول دور مريم سعدان الفاعل في مساعدة الثوّار. مع مجموعة من العاملين معها بمستشفى قسنطينة؛ وظلّت تتعرّض للتعذيب اليومي مدّة شهر كاملٍ دون أنْ يتمّ نزع اعترافات منها، وهو ما أدّى إلى استشهادها في 22 جوان 1958. ولكنّ فضيلة واصلت مسيرتها كفدائيّة بعد وفاة شقيقتها الكبرى مريم، وظلّت لعاميْن كامليْن هدفًا رئيسيًّا للعدوّ في مدينة قسنطينة، حيث دوّخت فضيلة ورفاقها ضبّاط الاحتلال بالعمليّات الجريئة الّتي نفّذوها. وفي 17 جوان سنة 1960، تمّ اكتشاف موقعها من قبل فرقة المظلّات الفرنسيّة الّتي حاصرت المنزل وفجّرته بمن فيه، فارتقت فضيلة شهيدة رفقة من كان معها من رفاقها المقاومين، ونسجت على خطى شقيقتها الشهيدة مريم، لتصبح هذه العائلة الصغيرة بحجم وطن.

مريم بو عتّورة

وُلِدت الشهيدة مريم بوعتّورة بنقاوس ولاية باتنة في عام 1938، وتابعت دراستها بمدينة سطيف حتّى الباكالوريا، لكنّها انقطعت عن التعليم في ماي 1956، استجابة لنداء جبهة التحرير للمشاركة في إضراب الطلبة ومغادرة مقاعد الدراسة. ثمّ التحقت في السنة نفسها بصفوف المجاهدين في الولاية الثانية “الشمال القسنطيني” بوادي الزهور، كي تعالج الجرحى إلى جانب زعيميْن من زعماء المقاومة، الدكتور الأمين خان والممرّض عبد القادر بوشريط، وهناك ربطتها صداقة متينة بالشهيدة زيزة مسيكة.

وبعد أنْ تمكّنت من قواعد التمريض تحت إشراف الدكتور خان، أُسنِدت لها مسؤوليّة تسيير منزل سرّي لاستقبال جرحى جيش التحرير بناحية القلّ في المنطقة الثالثة. لكنّ مريم كانت متعطّشة لحمل السلاح في وجه العدوّ، فطلبت من القيادة إشراكها في المعارك، فتمّ تعيينها في خليّة مقاومة بإحدى نواحي مدينة قسنطينة، وشاركت في عمليّات عديدة في هذه المدينة المناضلة تتمثّل في نصب الكمائن للجنود الفرنسيّين ومباغتتهم في معاقلهم بعمليّات خاطفة. ومع استنفار قوّات الاحتلال الفرنسي للبحث عن مخابئ الفدائيّين، ونتيجة لوشاية أحد الخونة، تمّ تحديد مكان مريم ورفاقها في 08 جوان 1958. فخاض الفدائيّون معركة غير متكافئة مع الفرنسيّين المسلّحين بالمدافع والرشّاشات الثقيلة. ورغم صمودهم، إلّا أنّهم اُستُشهدوا بعد معركة ضارية.