لقد عرفت الجزائر فترة طويلة وقاسية من الاستعمار الفرنسي، وطيلة 132 عامًا برزت أجيال كثيرة من المقاومين الشرسين الّذين سطّروا ملاحم عظيمة ببطولتهم وبأسهم في مقاومة المحتلّ والتزامهم بقضايا شعبهم.

الزهرة ظريف، حسيبةبن بوعلي و جميلة بوحيرد
الزهرة ظريف، حسيبةبن بوعلي و جميلة بوحيرد

وفي هذه الفترة الطويلة الّتي خاض فيها الجزائريّون أشرس المعارك ، كانت المرأة الجزائريّة محضنة النضال الوطنيّ بامتياز، فهي الّتي حافظت على الانتماء الحضاري للأمّة في ظلّ محاولات التغريب ، وذلك من خلال تربية الأبناء والأحفاد على حفظ الأساطير الملحميّة عن بطولات الفرسان المقاومين، فكانت أغانيها مزيجًا من الفخر والحكمة، فنشأ في حضنها الأبطال والشهداء.

ولكنّها لمْ تكتفِ بهذه الوظيفة الأساسيّة، بل خاضت غمار المعركة بكلّ أشكالها ، ويكفي أن نذكر البطلة فاطمة نسومر الّتي قادت جيشًا كاملًا في الجبال لسنوات طويلة ، وجابهت به آلة الحرب الفرنسيّة فأثارت انبهار كبار القادة الاستعمار، حتّى لقّبوها بجان دارك الجزائر.

الجزائريات الممرضات
الجزائريات الممرضات

ومع اندلاع الثورة، كانت المرأة الجزائريّة شريكًا في خطّة جبهة التحرير الجزائريّة لدحر المستعمر الفرنسي، فأُوكِلت لها مهامّ صعبة وخطِرة، منها:

المساهمة في توفير الدعم المالي واللوجستي للمقاومين في الجبال، وذلك من خلال إعداد التموين اللازم من الطعام– والملابس والأغطية، فكانت تشرف على الفلاحة والرعي والخياطة وإعداد الطعام، وكانت تخوض رحلات شاقّة في مسالك وعرة لإيصال الطعام واللباس إلى المقاومين.

الاهتمام بأطفال الشهداء وأطفال السجناء والمجاهدين الغائبين عن بيوتهم، والعناية بالجرحى في منازل سريّة مخصّصة للغرض، وهنا يجب الإشارة إلى انخراط عدد كبير من الممرّضات والطبيبات الجزائريّات في معركة التحرير.

المشاركة في النضال السياسي في الجزائر وخارجها، وذلك بالتحضير للمظاهرات الكبرى في المدن وتوزيع المناشير وربط قنوات التواصل بين قادة الثورة وجنودها الأبطال. فنتيجة للمراقبة المستمرّة من أجهزة القمع البوليسي الفرنسي داخل المدن على المقاومين، تولّت المناضلات هذه المهامّ المعقّدة والخطرة.

المشاركة في الكفاح المسلّح عبر العمليّات الفدائيّة في المدن الجزائريّة الكبرى من خلال زرع القنابل وتفجير منشآت حيويّة للمستعمِر الفرنسي. وفي الأرياف، انخرطت آلاف المقاومات في جيوش جبهة التحرير وشاركت في أشرس المعارك ضدّ جيش الاحتلال، وشاركت في إعداد الكمائن والقيام بها.

ونتيجة لهذا الدور الفاعل والحاسم للمرأة في معركة تحرير الجزائر، تحرّكت آلة الجنرال أوساريس لقمع الجميع دون استثناء رجالًا وشيوخًا وأطفالًا، فأمر بتعذيب كلّ من يُشتبه بعلاقته مع المجاهدين، بل وأشرف بنفسه على عمليّات تعذيب وإعدامات كثيرة. وكان بطش هذه الآلة الإجراميّة اختبارًا لعزيمة المقاومين والمقاومات، فضربوا أمثلة إعجازيّة في الصمود. وتحمّلت المرأة الجزائريّة ما لا تتحمّله الجبال في مراكز الإيقاف والسجون، ولعلّ قصّة أيقونة الثورة الجزائريّة جميلة بوحيرد هي أعظم مثالٍ على هذا الصمود النسوي العظيم في وجه آلة القتل والتعذيب الغاشمة.

المرأة الجزائريّة المناضلة
المرأة الجزائريّة المناضلة